ها أنت – أيّها الربيعُ –
أقبلتَ فأقبلتْ معك الحياةُ بجميع صُنوفها وألوانِها: فالنّبات ينبُت، والأشجارُ تورِقُ وتُزْهرُ، والهرّةُ تموءُ، والغنم يثغو، والبقر يخورُ، وكلَّ أَليفٍ يدعو أليفَهُ. كلُّ شيءٍ يشعرُ بالحياةِ وينسى همومَ الحياة، ولا يذكرُ إلا سعادةَ الحياةِ، فإن كان الزّمان جسدا فأنتَ روحُهُ، وإن كان عُمُرا فأنت شبابُهُ.
ها أنت بسحركَ العجيبِ، استطعتَ أن تجعلَ من الشّمس حائِكا1 نسّاجا يحوكُ أجملَ الرّوضِ ويوشّيهِ2، ويبدعُ في النّقشِ والألوانِ والتّصوير، فإذا الدّنيا كلُّها جمالُ ألوانٍ، وجمالُ تصويرٍ، يُقَلّدها أكبرُ فنّان فيفشَلُ، ويُحاكيه أكبرُ مُصوِّر فيعجِزُ، جعَلْتَ الدّنيا مِلء العيونِ بما أبْدعتَ من ألوانٍ وما مايلْتَ من أغصانٍ، وما صُغتَ من جمالٍ: فأبيضُ ناصعٌ، في أخضرَ ناضرٌ، وتعاريجُ سوداءُ، في زهرةٍ صفراءَ أو بيضاءَ، وأَشكالٌ مُهندسَةٌ تأخذُ بالُّلبِّ3.
وكما جعلتَ الدنيا مِلء العين، جعلتَها مِلء السّمع، فرأَتِ الأطيارُ ما وشّيتَهُ في أرضكِ، فحرَّكَ أشجانَها، وأطلَقَ أصواتَها، وجعلتَ منها موسيقى مُختلفَةَ النّغماتِ، مُتعدّدةَ الأصواتِ: هذا البلبلُ يُغنّي ضاحكا، وهذا الحمامُ يغني باكيا.
كانت عَجماءَ4 فأفصَحَتْ في أيّامكَ، وكانت خرساءَ فأنطقَها جمالُك، فوقفتْ على السّرو والدّوح5. فلمّا غنّتْ حرَّكت أشجانَ الإنسانِ، وأوحتْ إليه بالمعاني الحِسان، فأفاضَ الشعراءُ في وصفها، وبكوا لبكائها، وتغنّوا من غنائها.
ثم ها أنتَ ملأتَ الجوَّ عِطرا بأزهارِكَ الطيبةِ، وثماركَ العَطرةِ، فأنعشتَ النّفوسَ، وبعثتَ الأملَ، فلما خاف النّاسُ من غيبتكَ، وانقطاعِ شَذاكَ، أمْعنوا الفِكر في الاحتفاظ برائحتك، فاستخرجوا الروائحَ من أزهاركَ، وتحايلوا للانتفاع بها في غيابكَ. لقد اعتدلْتَ في حرارتكَ فلم تَغْلُ في بَردكَ غُلُوَّ الشتاء، ولا في حرِّك غُلُوَّ الصّيفِ، فكنت جميلا في جوّكَ، كما كنت جميلا في كلِّ شيء من آثارِك. فليت الزّمان كان ربيعاً كلَّهُ.
شروحات مساعدة: حائِكا: ناسجا 2يوشّيهِ: يغطيه 3الُّلبِّ: العقل 4عَجماء: لا تنطق كالبهيمة 5السّرو: نبات منخفض والدّوح: شجر عظيم
الاستثمار البيداغوجي
المهمة الأولى : أسئلة الفهم

المهمة الثانية: التعبير الكتابي
وصفَ الكاتبُ فصلَ الربيع. انطلاقا من الخريطة الوصفية، صِف أنت فصلَ الصّيف مُقلدا الكاتبَ في أساليبهِ، مبتدِئا هكذا :
ها أنت – أيّها الصيفُ – أقبلتَ فأقبلتْ معك الحياةُ بجميع صُنوفها وألوانِها …..